آراء الكتاب

أحلام الحاتمية تكتب:

هل الغاية تبرر الوسيـــلة حقًا؟!!

المسار| آراء الكتاب

الكاتبة: أحلام الحاتمية

ألفت مسامعنا عبارة “الغاية تبرر الوسيلة”، وصار كثير منا يتبناها كسياسة في تعاملاته سواء كان بقصد منه أو بدون قصد، ولكن قليل منا من يعرف مصدر هذه العبارة والتي اصطلح الناس على تسميتها بالسياسة الميكافيلية وذلك لأن أول من أسسها هو المفكر والفيلسوف والسياسي الإيطالي نيكولو ميكافيلي، لكن السؤال هنا؛ هل فعلا الغاية تبرر الوسيلة؟!، وهل يعني ذلك أنه بإمكاننا استخدام وتطويع وسائل غير أخلاقية لتحقيق غايات نبيلة؟

يقول ميكافيلي في كتابه “الأمير” الذي جمع فيه عصارة خبرته السياسية والأدبية والذي استخدمه ورجع إليه لاحقًا الكثير من قادة الدول والساسة حول العالم بأن “على صاحب السلطة أن يستخدم القوة والعنف مع شعبه لأن ذلك يولد الخوف وبالتالي الانضباط” ، أي أن القائد حقق غاية نبيلة وهي انضباط الشعب ولكن الوسيلة كانت العنف والقوة، ومايعنيه ميكافيلي هنا أن على حاكم الدولة توظيف كل الوسائل المتاحة أمامه ليتعامل مع شعبه، ولا يهم مدى أخلاقية هذه الوسائل، وأجزم بأنه من هنا ظهر مبدأ “السياسة بلا أخلاف”.

نجحت مؤخرا في الحصول على نسخة إلكترونية لهذا الكتاب، وحاولت العثور على صفحة واحدة لا تحتوي شراً كامنا وتحريض علني فلم أجد، إذ كان دعوة صريحة بالتخلي عن الأخلاق في سبيل الحصول على ماترمي إليه، ويظهرذلك بوضوح شمس يوليو في الإقتباس الذي يقول فيه ميكافيلي “فمن الضرروي لكل أمير يرغب في الحفاظ على نفسه أن يتعلم كيف يبتعد عن الطيبة والخير”. وكأن ميكافيلي يريد أن يقول بأن الكلمة العليا والأخيرة هي المصلحة.

ومما لا يفوتني ذكره أن ميكافيلي هذا كان مستشارًا لزعيم فلورنسا حيث لم ينصحه بقتل من يعارضه فحسب، وإنما قتل كل من “يتوقع” أن يعارضه في المستقبل. ففي هذا الكتاب -والذي يقال بأن أغلب قادة الدول  الديكتاتوريين قد اقتنوه وساروا على نهجه، وأصبح يمثل قمة فلسفة الحكم بالنسبة بهم- أطاح ميكافيلي بالأخلاق ومرغها في وحل السياسة، وأكد على ذلك عندما أخبر الأمير الذي كان يعمل مستشارا له بأن “خوف المواطنين منه” أفضل بكثير من “حبهم له”.

ولكن هذه النظرية تتعارض مع أخلاقنا الدينية ولا تتقاطع معها في أي جزء، فلا يمكن لأي شخص أن يوفر مالا  لعلاج والده المريض عن طريق السرقة مثلا، ولا يمكن لموظف أن يحصل على ترقية في عمله من خلال الوشاية بزملائه والصعود على أكتافهم، ولا يمكن لبائع اللبن كسب المزيد من المال من خلال مزجه بالماء، فأي هدف شريف يحققه صاحبه بوسائل شريفة لا يشوبها أي سوء نية أو إلحاق ضرر بالآخر.

لذلك أرى أنه يتحتم علينا التخلي عن تطبيق هذه القاعدة ونستبدلها بالقاعدة الشرعية “الضروريات تبيح المحضورات”، فالخير لا يمكن الوصول له عن طريق الشر، وهذه النظرية لم تخلف سوى الإفلاس القيمي وهلاك الأمم، وما الخلافات بين الدول وشعوبها عنا ببعيد، ولعل هذا الكتاب كتب أصلا في ظروف مختلغة واستثنائية لا تتماشى مع كل دولة وكل ظرف، فعلينا فقط أن نوسع مفاهيمنا الضيقة ونتخلى عن بعض القواعد غير الصحيحة في حياتنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock