حوارات

قالت : لا توجد هناك مثاليات في الحياة

مريم العامرية: إيماني بضرورة أن أكون إنسانة غير عادية قادني للنجاح

المسار | حوار المسار

حب، عطاء، سلام، أمان، طمأنينة، إنجاز وازدهار.. إنها هي، شريكة الرجل في صنع التنمية وتحقيق أسمى الغايات منذ فجر التاريخ، من سعت وقادت لتغيير مجتمعها ليرقى إلى أعلى مستويات التقدم والازدهار، فالنجاح ليس وليد اللحظة، بل هو ثمرة جهد وفكر، إصرار وعزيمة، طموح وسعي. النجاح هو تجاوز للعقبات ومختلف العراقيل، هو تطويع الظروف من أجل الوصول للهدف. واعترافا بدورها الريادي والقيادي واحتفاء بإنجازاتها في شتى المجالات فقد خصص حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم -حفظه الله ورعاه- يوم ال17 من أكتوبر يوما للمرأة العمانية.

 امرأة عصامية بسيطة، تطمح أن تصنع في كل مكان قائد، شغوفة بالعمل في رؤية الشباب، ولديها يقين تام أن كل المشاكل لا تحل إلا بالسلام و الحب، دائما ما تحاول إيجاد التوازن الداخلي وأن تكون مثالا للمرأة العربية المكافحة و المجتهدة بعيدا عن المثاليات المبالغ فيها أو المظاهر الخادعة للحياة المثالية لأي امرأة.. في السطور السابقة نتحدث عن المرأة العمانية الناجحة مريم العامرية.. لنقترب منها أكثر في السطور التالية..

المسار | حوار سارى بنت عبدالله البلوشية

تخصصت في دراسة “الإحصاء” في كلية العلوم بالجامعة إضافة إلى تخصصها الفرعي بكلية التجارة والاقتصاد (سابقا).. تبدأ العامرية حديثها قائلة: أيقنت بداخلي أنني إنسانة يصعب عليها العمل في وظيفة عادية، يملى علي الأوامر فيها لأنفذها فقط. وبسبب مشاركاتي الخارجية في ملتقيات و مؤتمرات شبابية حول العالم أثناء فترة دراستي زاد يقيني بأن علي تأسيس كيان مختلف وصنع وظيفتي بنفسي بالرغم من أن هذا غير مالوف أبدا في بلدنا آنذاك.

وحول تفكيرها في كيفية الوصول لتحقيق ذلك تقول العامرية: أنها منحت فرصة الدخول لدورة تدريبية في الكويت في العام 2009 تُعنى بتأهيل القيادات الاجتماعية لمدة 3 أسابيع. وبعد عودتي قمت بالتعاون مع أربعة من الشباب بتأسيس “مؤسسة رؤية الشباب” لتمكين الشباب في سلطنة عمان لتصبح أول شركة عمانية في ريادة العمل الاجتماعي الشبابي. كانت فكرة مجنونة بنظر الجميع، حيث ظنوا أنها سرعان ما ستموت وتندثر، حيث أنهم لم يكونوا على علم ودراية أنه وبهذه المؤسسة ستطلق الكثير من القيادات الشابة والمبادرات الشبابية منذ تأسيسها وحتى هذه اللحظة.

تحديات وصعوبات

واجهت العامرية الكثير من الصعوبات على الصعيدين الشخصي والمجتمعي، فأكبر تحد بالنسبة لها هو الخروج من التفكير الجمعي السائد للمجتمع في نوعية الوظائف واختيار المسار المهني، إضافة إلى بناء ثقة تامة بقدرتها على القيام بشيء مختلف. كما أن عليها إقناع المجتمع بتقبل فكرة جديدة بأسلوب مختلف خاصة أن المؤسسة بدأت قبل التشجيع على ريادة الأعمال في السلطنة وإقناع أقربائها باختيار هذا المسار الذي يبدو صعبا في بداياته. وفي الجانب الآخر تسرد لنا الصعوبات التجارية التي واجهتها: كأي مشروع تجاري مبتدئ واجهت صعوبة في رأس المال، وإدارة المشروع، والحصول على عقود عمل خصوصا أن مجال المشروع في بداياته لم يكن واضحا أو منظما. أما عن تغلبها على ذلك فتحكي لنا: الخطوة الأولى هي الإيمان بنفسي و تحديها، ثم يأتي التعلم، والتدريب، والقراءة، إضافة إلى استشارة المختصين في المجال.

غير عادية

تسرد لنا العامرية جملة الدوافع التي أدت بها للوصول إلى ما وصلت إليه اليوم قائلة: بدأ الدافع من القراءة التي عشقتها منذ طفولتي، وإيماني بضرورة أن أكون إنسانة غير عادية قادني للنجاح، وبذلك انطلقت في كل مراحل حياتي نحو تأسيس نفسي بناء على هذه الفكرة، مبينة أنها لم تكن تعرف ما هو الاختلاف الذي ستصير إليه ولكن رغبتها وشغفها في عمل الأشياء بطريقة غير عادية مهما بدت صعوبتها أو تطلبت منها الكثير من الوقت والجهد والمثابرة والتضحيات. أما عن دافعها اليوم فهو يكمن في الأثر الذي تود تخليده على هذه الأرض بعد رحيلها وإن كان بسيطا، إضافة إلى ما تلمسه من أثر في المستفيدين من برامج رؤية الشباب والذي يدفعها للاستمرار والعطاء، مؤكدة على أن القراءة هي دافعها المستمر مهما تغيرت أهدافها.

المرأة وبناء المجتمع

وتجيبنا العامرية حول دور المرأة ومساهمتها في المجتمع: سواء اعترفنا بذلك أم لم نعترف، المرأة دائما تسهم بدور كبير في بناء المجتمع، فلولا جداتنا اللواتي مهدن الطريق لأبنائهن وبناتهن للتعلم وعيش حياة كريمة لما وصلنا إلى هذه المرحلة من العيش. وتكمل: المرأة سواء في بيتها أم خارجه فهي جزء أساسي من المجتمع، و لا يمكن تقسيم المجتمع إلى نصفين لأن كل نصف لن يكتمل بدون الآخر.

وترى العامرية أن الصمت في العمل أحيانا وانتظار ظهور النتائج هي أفضل وسيلة لمواجهة أي اعتراض من قبل المجتمع، وذلك لأن المجتمع تعود على  ثقافة معينة في مجالات مختلفة، ولا يمكن بين يوم وليلة و بسبب شخص واحد تغيير كل ذلك، معللة ذلك لأنه بطبعنا البشري نحتاج إلى أدلة تقنعنا أن ما نفعله له أثر إيجابي حتى لو كان مختلفا، وبالتالي نحن بحاجة إلى تقبل نظرة المجتمع حتى نستطيع معرفة تغييرها أو التاثير عليها، فتطور الثقافات المجتمعيه تحتاج إلى سنوات لتتغير مع تغير العالم و تطوره.

وبالإشارة إلى ذلك تقول العامرية: لو قارنا ما عليه المرأة قبل 1970 و اليوم، فالتغيير الذي طرأ جذري، مؤكدة على ضرورة تغيير بعض الأفكار التي تقيد المرأة أحيانا حتى في التفكير بحياتها مشجعة في ذلك على التغيير التدريجي المتزن بدلا من التغيير المفرط العشوائي 

قناعة

ومن وجهة نظر العامرية أن تصنيف و تحديد حياة المرأة بأكملها يكمن في شئ واحد وهو أنه لا يوجد صواب أو خطأ في عمل المرأة من عدمه ما دام أنها هي التي قررت ذلك و عن قناعة و ليس من أجل المجتمع أو أي شخص في حياتها. وتضيف: الفكرة الأساسية هي منح المرأة حرية الاختيار في المهنة أو العمل الذي تريد ممارسته دون أي ضغوطات أو عتب أو لوم من المجتمع أو حتى من نفسها، فقرارات شخصية كالعمل، والتعليم، والزواج وتكوين أسرة من حقها تماما مثل ما هي حقا للرجل دون تدخلات أو ضغوطات.

وتتوقع العامرية أن كونها صاحبة مؤسسة فذلك يعني تحمل مسؤولية كبيرة لتكون قدوة للشباب في عملها و حياتها، وهي بذلك تحاول قدر المستطاع أن تطور من نفسها متمثلا ذلك في عملها بحب وشغف والكثير من الجهد والمثابرة من أجل هذه المؤسسة ولأجل هؤلاءالشباب.

ترتيب الأولويات

وفي الحديث عن موازنة العامرية بين البيت والعمل فتجيب أن ترتيب الأولويات وطلب المساعدة من الآخرين وإبعاد فكرة المرأة المثالية في حياتها هي التي ساعدتها في ذلك، وكما تعلل: لأنه لا توجد هناك مثاليات في الحياة، هناك أهداف و أولويات ومبادئ متى ما تحددت و عملنا بها استطعنا إيجاد التوزان، وتضيف على ذلك قائلة: ولدي مبدأ أن هناك مراحل في حياتنا تتطلب منا التركيز على شئ لتحقيق شي آخر وإعطائه حقه الكامل، وتبين أنه يجب أن لا ننسى أن إمضاء وقت مركز أهم من الأوقات المشتتة، فعدد الساعات في البيت أو العمل ليس بمهم بقدر أهمية كم الإنجازات والتركيز فيها.

تغييرات وإنجازات

وفي إطار التغييرات التي أجرتها العامرية في المؤسسة أو لمن حولها من الشباب فترد على ذلك: بالنسبة للمؤسسة فإن أهم التغييرات تكمن في أنها تتحول من مؤسسة يديرها عقل واحد إلى مؤسسة لديها طاقم استشاري وإستراتيجي و إداري فعال لا يعتمد على كادر بشري و إنما على نظام و فكر. وفي الجانب الآخر فتعتقد أن التعليم المستمر هو أساس تغييرها وتغيير غيرها من الشباب للأفضل دائما، إضافة إلى تركيزها على تطوير نفسها لإدارة حياتها في ظل التغييرات وكثرة المشتتات حولنا.

وحديثا عن إنجازات مريم العامرية تقول أن وجود رؤية الشباب و استمرارها 10 سنوات وبناء هوية وطنية في السلطنة هي من الإنجازات التي تفخر بها، إضافة إلى كونها أما لابنها تميم فهذا محل إنجاز وفخر. وإضافة على ذلك قولها: حصولي على جائزة المرأة الواعدة في يوم المرأة العمانية 2018 وأيضا جائزة الإجادة في الابتكار وريادة الأعمال في يوم المرأة العمانية 2017. وأخيرا حصولها على لقب من الشباب العرب الأكثر تأثيرًا على العالم 2018 أيضا والتي تعتبر من الإنجازات التي تفتخر بها اليوم.

نقلة نوعية

أما عن تخصيص يوم للمرأة العمانية فترى العامرية أن ذلك يمثل لها نقلة نوعية في التعبير عن احتياجات المرأة مع تغير العالم، والحقوق مكفولة في الدين والقانون كما تشير لذلك ولكن كيف نطبقها من خلال الفكر والمعتقدات والمبادئ والثقافات المجتمعية وهنا يكمن التحدي كما تقول، مبينة أننا نحتاج إلى المزيد من الوعي الذاتي ابتداءً من وعي المرأة بنفسها عن احتياجاتها وحرية فكرها واختياراتها في الحياة وانتهاء بتقديرها كإنسانة منجزة قادرة على تحمل وتجاوز العقبات بجدارة ليس فقط على المستوى المهني والعلمي بل وعلى المستوى الاجتماعي و العالمي. كما أن هناك بعض الأمور التي يجب أن تتغير تجاه المرأة من حيث التصنيفات أو الأحكام التي تلقى عليها وتعمم على الجميع، حيث يجب علينا أن نحترم و نقدر اختلافات المرأة و اختلافات اختياراتها في الحياة في كافة المجالات، و الابتعاد عن النظرة الدونية لها، والاستصغار والبحث عن ثغرات مضللة بطرق مختلفة لاثبات انها لا تملك خيارات في الحياة كالرجل .

وتؤكد العامرية على أن التعليم حق لكل إنسان سواء امراة أم رجل ولا يمكن الإستهانة أبدا بهذا الحق مهما كلف من ثمن، وتضيف: يجب أن يكون هذا الحق متاحا للمرأة في أي وقت، مدللة على ذلك: يكفينا أن القرآن الكريم أمرنا بالتعليم في أول كلمة ألقيت إلى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ليوصلها للبشرية بأجمعها.

وحول من يساند العامرية ويقف معها ويحفزها لمواصلة مسيرة النجاح تقول مريم : أولا سأقف بجانب نفسي دائما وأبدا، إضافة إلى وقوف جميع أفراد أسرتي المقربين ابتداء من أبي وأمي وانتهاء بجميع إخوتي وزوجي وأهله. أيضا هناك صديقاتها وأخوانها المستشارين في مؤسسات مختلفة والذين امنوا بها والذين كانوا دائما داعمين لي في فترات الإحباط أحيانا.

وتحدثنا العامرية عن طموحاتها المستقبلية والتي تكمن في أن تفيد البشرية والعالم، متمنية أن تأتي بشيء جديد للعالم، مشيرة إلى أنها ما زالت في بداياتها ولكنها تتمنى أن تضيف ذلك حقا باسم دينها ووطنها وعائلتها وهي تتمنى أن يتحقق هذا الحلم يوما ما .

التوازن الروحي

ختاما وككلمة منها بهذه المناسبة: في الماضي كنت دائما أقول لنفسي أود أن أكون سيدة راقية، لم أكن أعرف لماذا هذا المصطلح وماذا يعني أن أكون سيدة راقية، ولكن ربما التوزان الروحي وإيجاد السلام الداخلي و حب الذات والإيمان بها، كانت من أكثر الدروس التي علمتني كيف أكون سيدة راقية قبل المظاهر والإنجازات الخارجية. وككلمة لكل امرأة تقول العامرية: ابدئي من الداخل يا سيدتي العزيزة، ضعي بداخلك التقدير المناسب لك، الذي يجعلك من أرقى السيدات في العالم.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock