آراء الكتاب

الكاتب سلطان القاسمي يكتب:

الدفءُ المعجزة.. أُمّي

المسار|  الكاتب سلطان القاسمي

إن الله تعالى أودع خلقَه معالم قدرته، وإمارات إعجازه، وأدهش الألباب ودعاها للتفكر والعظة، تسبيحاً وتهليلاً وتفريدا، ذلك مما أنشأ الباري عزوجل في كل مخلوق من أجهزة حيرت العقول وابهرت الأنظار، ومع هذا كله فإن الله تعالى أودع مخلوقاً من مخلوقاته قلباً مدهشاً، وحساً مرهفاً، وكفاً حانية، كلما قلبت فيه فكرك ونظرك، لهج داخلك: سبحان الله والحمدلله.. ما أعظم الله وما أحسن ما خلق.

هذا المخلوق المبارك هو الأم، والأم لا تسعني صفحات الكتب وصفاً لها، وتقصر عباراتي المتواضعة عن إيفائها ما تستحق من الثناء والتبجيل، وعزاؤنا في ذلك التفاتات القرآن العظيم للأم، تارة مع الأب وتارة وحدها، في صياغة ربانية لتجذب العالم إلى إجلالها وإكرامها واحترامها وتوقيرها وتبجيلها.

قال تعالى: (ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير) (لقمان: 14)، وقال تعالى: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا) (الإسراء:23)، ولما وصف الله تعالى مدى شفقتها وإشفاقها على أولادها قال: (وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (القصص:10)، وعن مدى سعادة الأم بعودة ولدها الغائب قال تعالى: (فَرَجَعْنَـٰكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَىْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ) (طه:40).

وأنت تقلب ناظريك في العبارات الربانية تدرك يقيناً أن الأم لا تعوض، وهي أغلى كنوز الدنيا، وهي أحن قلب في الوجود، كما أشار إلى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان رحمة الله العظيمة لما رأى امْرَأَة مِنَ السَّبْيِ يَتَحَلَّبُ ثَدْيَاهَا , كُلَّمَا وَجَدَتْ صَبِيًّا فِي السَّبْيِ أَخَذْتُهُ فَأَلْصَقَتْهُ بِبَطْنِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ” أَتَرَوْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ طَارِحَةً وَلَدَهَا فِي النَّارِ؟ ” قَالُوا: لا وَاللَّهِ وَهِيَ تَقْدِرُ عَلَى أَنْ لا تَطْرَحَهُ، فَقَالَ: ” وَاللَّهِ ، لَلَّهُ أَرْحَمُ بِعِبَادِهِ مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ بِوَلَدِهَا ” .

ومهما بلغ المرء من العمر سيبقى يشعر أنه طفل صغير بين يدي أمه، قد يمنعه الحياء والمحيط، ولكن تتوق نفسه لأن يلقي بنفسه بين يديها يقبلها ويحظى بعناقها، وقبلها، ومسحات كفيها، ودعوات قلبها وثغرها، ولا يعرف قدر الأم حق قدره إلا من فقدها، ويكون قد فات الأوان، وغادرت الدنيا، ليصحو وقد ملأ الدمع عينه، والشوق قلبه، ويحن للحظة واحدة من لحظات المحبة والحنان، لكنها لن تعود، ويبقى للمرء عزاء الدعاء والصدقة والاحسان وتعليم أبنائه قيمة الأم لئلا يندموا ولات ساعة مندم.

في قصة تتكرر في زماننا هذا، كيف أن الأم تقي ولدها وحبيبها عثرات الحياة وأخطارها، بعد إنتهاء الزلزال، عندما وصل رجال الإنقاذ لإنقاد منزل امرأة شابة رأوا جسدها الميت من خلال الشقوق، ولكن وضع جسمها كان غريباً، فهي راكعة على ركبتيها وكأنها في سجود، إلا أن المنزل كان قد انهار عليها وسحق ظهرها ورأسها، ومع وجود صعوبات وضع قائد الفريق المنقذ يده عبر فجوة ضيقة في الجدار للوصول لجسم المرأة، كان يأمل أن هذه المرأة قد تكون لا تزال على قيد الحياة، ومع ذلك عرف أنها ماتت. فغادر أعضاء الفريق هذا المنزل، ولسبب ما أحس قائد الفريق بضرورة ملحة للعودة إلى المنزل المنهار حيث المرأة الميتة مرة أخرى، وهي ساجدة للأسفل، أدخل رأسه من خلال الشقوق الضيقة للبحث في مساحة صغيرة تحت الجثة الهامدة، وفجأة صرخ طفل! هناك طفل! عمل الفريق بأكمله معا بعناية، أزالوا أكوام من الدمار حول المرأة الميتة، كان هناك صبي عمره 3 أشهر قليلة ملفوفًا في بطانية تحت جثة والدته، فعرف الفريق أن المرأة جعلت جسدها غطاء لحماية ابنها عندما بدأ بيتها بالسقوط، وظلت معه حتى ماتت. ووجد المعالجون أن المرأة قد كتبت رسالة في هاتفها قبل أن ينهار عليها السقف، قالت فيها: “إذا كنت تستطيع البقاء على قيد الحياة، يجب أن تتذكر أنني أحبك([1]).

الأمّ.. قصة بدأت حين بدأت الحياة، أنا وحدي بطل القصة، وهي من علمت ورسمت وخططت وسهرت وتعبت، ليرتفع اسمي وينسى الناس اسم البطل الحقيقي والمخرج الفذ وراعي مسيرتي أُمّي، أنا وأنت علينا اليوم أن نهدي لتلك العظيمة محباتنا ودعواتنا وصدقاتنا وأن نفرد في العمر ليال للدعاء لها بتضرع وخشية ونقول: اللهم إن هذه أمي أغلى علي من روحي، ضحت بصحتها وراحتها من أجل إسعادي، تركت وفير الفراش لأنعم أنا بالنوم، وشحت على نفسها بلذيذ الطعام لتوفره لي، فافرح وأمرح، وألعب.. ثم أزاحمها على جلستها فتوسع لي، فافترش عندها الحنان، وتغطيني بدفئها ومودتها، وحين تألمتُ أنا ضجت ألماً، وتألمتْ هي فأخفت وجعها وما دريت كيف تألمت، ثم تبين أن ألمها كان شديداً لكنها كانت تبتسم لي .. وتضحك، وتتعب… فمن منا يتذكر كيف تتعب الأم لتسر ولدها وبنتها؟.

أراد أحد المتفوقين أكاديمياً من الشباب أن يتقدم لمنصب إداري في شركة كبرى، وقد نجح في أول مقابلة شخصية له ، والأن بصدد مقابلة المدير لإجراء المقابلة النهائية. وجد مدير الشركة من خلال الإطلاع على السيرة الذاتية للشاب أنه متفوق أكاديمياً على نحو ممتاز. سأل المدير هذا الشاب المتفوق: “هل حصلت على أية منحة دراسية أثناء تعليمك؟” أجاب الشاب “أبدا”، فسأله المدير “من كان الذي يقوم بسداد رسومك الدراسية؟” فأجاب الشاب: والداي (أمي وأبي)، فسأله المدير:” وماذا يعمل والداك؟” فأجاب الشاب:” كانا يغسلان الثياب للناس”، حينها طلب منه المدير أن يريه كفيه ، فأراه إياهما فإذا هما كفان ناعمتان ورقيقتان.

([1] ) موقع طريق الاسلامwww.

فسأله المدير:”هل ساعدت والديك في غسيل الملابس قط؟” أجاب الشاب:” أبدا، كان والداي دائماً يريداني أن أذاكر وأقرأ المزيد من الكتب ، بالإضافة إلى أنهما يغسلان أسرع مني بكثير على أية حال !”، فقال له المدير:” لي عندك طلب صغير.. وهو أن تغسل يدي والديك حالما تذهب إليهما، ثم عد للقائي غدا صباحا”

وبالفعل عندما ذهب للمنزل طلب من والديه أن يدعاه بأن يغسل يديهما ،شعر الوالدين بالسعادة لهذا الخبر، لكنهما أحسا بالغرابة والمشاعر المختلطة لطلبه ، ومع ذلك سلماه أياديهما، وبدأ الشاب بغسل يدي والديه ببطء , وكانت دموعه تتساقط لمنظرهما، وكانت المرة الأولى التي يلاحظ فيها كم كانت يداهما مجعدتين, كما أنه لاحظ فيهما بعض الكدمات التي كانت تجعل الواحد منهما ينتفض حين يلمسه بيده !، وكانت هذه المرة الأولى التي يدرك فيها الشاب أن هذي الأكف هي التي كانت تغسل الثياب كل يوم ليتمكن هو من دفع رسوم دراسته، وأن الكدمات في يديهما هي الثمن الذي دفعاه لتخرجه وتفوقه العلمي ومستقبله.

بعد إنتهائه من غسل يدي والديه ، قام الشاب بهدوء بغسل كل ما تبقى من ملابس عنهما، وتلك الليلة قضاها الشاب مع والديه في حديثٍ طويل، ووفي الصباح التالي توجه الشاب لمكتب مدير الشركة، فسأله المدير: “هل لك أن تخبرني ماذا فعلت وماذا تعلمت البارحة في المنزل؟”، فأجاب الشاب: “لقد غسلت يدي والديَ وقمت أيضا بغسيل كل الثياب المتبقية عنهما”، فسأله المدير عن شعوره بصدق وأمانة ، فأجاب الشاب: “أدركت معنى العرفان بالجميل ، فلولا والداي وتضحيتهما لم أكن ما أنا عليه الآن من التفوق. وبالقيام بنفس العمل الذي كانا يقومان به ، أدركت كم هو شاق ومجهد القيام ببعض الأعمال، ووأدركت أهمية وقيمة العائلة.”

عندها قال المدير: “هذا ما كنت أبحث عنه في المدير الذي سأمنحه هذه الوظيفة، أن يكون شخصاً يقدر مساعدة الآخرين والذي لايجعل المال هدفه الوحيد من عمله… لقد تم توظيفك يا بني([2])

من كانت له أم تنعم بالحياة، فلينعم هو ببرها، ومودتها، ولايضيع يوماً دون أن يبرها ولو بكلمة، الخسارة الحقيقية ليست خسارة المال، ولا الوظيفة، الخسارة الفادحة فقد الأم، لأنها خيمة لك من برد وحر، وأنس لك من وحشة وقفر، ووطن لك من غربة ووحدة، الأمُّ.. جنة الله في الارض، فاسكنوها واعمروها وانعموا بأفيائها وخيراتها، فإن من ورائنا يوم فقد شديد وعصيب. وكم أني حزين لفراقها، واسعى أن أعوض ذلك في أن أقص على أولادي أجمل قصة في حياتي هي قصة أمي..

رحم الله أمهاتنا جميعا، ومنح الأحياء منهن صحة وسلامة وعزيمة

([2]) https://www.wattpad.com/story

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock