آراء الكتاب

الكاتبة جوخة الشماخية تكتب لـ المسار:

إحدى رسائل كورونا عنوانها ” يكفي “

المسار  | آراء الكُتاب

الكاتبة الأستاذة جوخة بنت علي الشماخية

 

فيروس كورونا المستجد (كوفيد-19) المرتبط بالمتلازمة التنفسية الحادّة والشديدة، ” كورونا ” هذه المفردة التي أصبح العالم يرددها بكل لغاته، فيروس صغير الحجم، يشبه الكرة، لا يكاد يُرى بالعين المجرّدة، استطاع أن يجتاح الكرة الأرضية، ويسبب لها الرعب والذعر الشديدين، ويقلبها رأسا على عقب.

مبدئيًا حددت بداية ظهوره في منتصف شهر ديسمبر 2019م، حيث انطلق من مدينة ووهان وسط الصين، ومن هناك عبر جميع القارات، ليحطّ في معظم دول العالم، التي لأول مرة تشعر بأنها أمام عدو واحد اسمه ” كورونا ” ولأول مرة أيضا يتفقون، ويتحدون، ويتشابهون في أسلحة المواجهة، صار همّ الجميع وشغلهم الشاغل هو القضاء على هذا العدو المتسلل، الذي قضّ مضجعهم، لكن عدوهم هذه المرة لا يُواجه بقنبلة ذرية أو مفاعل نووي أو صاروخ حربي، هذه أسلحة البشر للبشر، أسلحة الدول القوية التي اعتادت أن تسددها نحو الدول الأضعف والشعوب العُزَّل؛ لتأكل خياراتها، وتنهب ثرواتها، ثم تستولي على شعوبها، من منطلق أن القوي يأكل الضعيف، كورونا الكرة الآن في ملاعب معظم الدول، يحاربها بصمت وهدوء، يجتهد العلماء في كل مكان للبحث عن علاج أو لقاح له، لكن حتى الآن لا شيء مؤكد، وحين يتوفر بالطبع لن يكون من السهل الحصول عليه، فالدولة الأسرع في اكتشاف العلاج ربما تبالغ في السعر، من منطلق مفهوم ” الحرب الاقتصادية “، كلنا أمل في أن يُكتشف لقاح لهذا المرض، وأن يصل إلى جميع البشر، فهل ممكن أن تتعاون الدول في العلاج كما اتّحدت في الوباء؟

كورونا يتفشّى بسرعة عجيبة، وانتقاله من شخص لآخر سريع للغاية، من خلال المصافحة أو عطاس المصاب، أو عبر ملامسة الأسطح الصلبة، وغيرها، مما زاد من تخوف الحكومات والناس، فهبّ الجميع إلى البدء باتخاذ إجراءات احترازية، سارت بصورة تدريجية، فكلما زاد عدد المصابين زادت الإجراءات الإجبارية للحد من انتشاره، بدأت المواجهة بتقديم التعليمات بصورة مستمرة ومتكررة، عبر القنوات الفضائية ووسائل التواصل المختلفة، كما طُبّق العزل الصحي للمصابين، والحجر المنزلي لمدة أسبوعين للعائدين من السفر، ثم الحجر المنزلي لجميع الناس؛ لتقليل التواصل الاجتماعي، كما علّقت أمور كثيرة، كالدراسة والطيران، وأغلقت مدن بأكملها، ومؤخرا اضطرت بعض الدول أن تلجأ إلى حظر التجوّل؛ خشية أن يتفشى فيها الوباء بصورة أكبر، وتصبح غير قادرة على السيطرة عليه، كما حدث لبعض الدول.

 

كوفيد-19 مرض حيّر البشرية، فأخذ الناس يفسرونه كل من منطلق اختصاصه، أو رؤيته، أو استنتاجاته، والبعض ربطه بتنبؤات المستشرفين للمستقبل، في الحقيقة أصبح كورونا يستحوذ على يومياتنا، ورسائلنا، وصار رفيق جلساتنا في حجرنا المنزلي، والناس بين جادّ ومستهتر، وساخر، ومهوّل، استطاع في وقت قصير أن يحصد أرواحا كثيرة، حتى الأطباء المعالجين للمرضى لم يسلموا منه، رغم احترازهم بوسائل الوقاية المختلفة.

لا أحد يعلم متى ستنزاح هذه الجائحة عن الكرة الأرضية سوى الله سبحانه وتعالى، وبالتأكيد جميع القلوب تلهج بالدعاء إليه، كي يرحل سريعا، وتنكشف الغمة، وتعود الحياة إلى سابق عهدها، وتشرق الابتسامة من جديد.

مما لا شك فيه أن كورونا زعزع حياة البشر، فأُقفلت المساجد، ودور العبادة المختلفة، وانهارت أمامه العديد من الأنظمة العالمية، وستكون له نتائج سلبية على مدى قريب وبعيد، في جميع الأحوال هو ابتلاء من عند الله، ولا بد أن نصبر عليه. إن المتأمل لطبيعة هذا الوباء، سيشعر بأن الله قد أرسله ليوصل للبشرية رسالة تنبيه مهمة، رسالة عنوانها ” يكفي ” يكفي ماذا؟! يكفي حربا وظلما وقهرا وعنفا وفسادا ومعصية وتجبرا، لقد تجاوزنا الحدّ في كل شيء، أراد أن يقول لنا إننا جميعا بشر، أصلنا من تراب، والبشر مهما بلغت قوته وجبروته يظل ضعيفا، ومصيره الموت والزوال، أراد أن يقول أنا فيروس صغير، لكنني غلبتكم، فاستطعت أن أزلزل أمنكم، وأهزّ أركانكم، أراد أن يذكّرنا بقول الله تعالى: ” وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنفذوه، ضعف الطالب والمطلوب ” وقوله: ” وما أُوتيتم من العلم إلاّ قليلا” وقوله: ” وفوق كل ذي علم عليم”.  

فهل فعلا سينجح كورونا في تقديم درس للعالم؟ وهل العالم سيستوعب هذا الدرس؟!

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock