آراء الكتاب

متى سنخرج سياحتنا من المندوس؟!!

المسار – آراء الكتاب | غالية الهنائية
* السياحة منجم نُصِّر على تجاهله بينما تعيش مجتمعاتٌ غيرنا أجمل أيامها بسببه 
في طفولتي، كانت تزور بيتنا جارة عجوز ذات شخصية درامية مُلفتة. أخبرونا عنها قصة لا تزال في ذاكرتي، كانت صاحبتنا تجمع القرش فوق القرش ولا تصرف الكثير، تُنكر ما لديها وتعيش حياة بسيطة على إحسان المحسنين الذين لا يعرفوا حقيقتها. وعندما تغيّرت العُملة وطلب البنك المركزي استبدال القروش المعدنية بالورق بَقيت على صمتها ولم تُحرك ساكناً، مُخبئة نقودها في مندوس؛ ربما إستنكاراً لقيمة الورق أو خوفاً من معرفة الآخرين مقدار ما تملك. مرَّت سنوات وفقدت العملة المعدنية قيمتها السوقية، وعندما اقتنعت أخيراً بقيمة العملة الجديدة وذهبت الى البنك طالبة استبدال مالها الذي كان بالآلاف فاجأها الموظفون أنهم لا يستطيعون استبدال كومة نقودها لأنها لم تعد صالحة للتعامل. وبما أن العملات القديمة كانت ما تزال موجودة ومتناثرة في أغلب البيوت لم تجد من يعتبرها مقتنيات أثرية نادرة ونفيسة حينها. 

أصبحت عجوزنا تلك فجأة وبكل معنى الكلمة “مُفلسة” وتستحق الصدقة التي كانت تحصل عليها. أُصيبت بالإكتئاب والحزن وفقدت الرغبة بكل شيء وبعد فترة قصيرة توفيت. لا أدري اذا كنتم تتفقون معي أن حال السياحة في بلادنا كحال نقود هذه العجوز! فبلدنا تفيض مقومات سياحية نحن أولّها بطيبتنا وبشاشتنا وسمعتنا التي هي كالقرش الذهب، ثم أننا بلد ضارب بجذوره في عمق التاريخ الكوني والإنساني. لا توجد حقبة تاريخية في تطور الأرض أو تطور الإنسان إلا ولنا منها مئات الشواهد. بلادنا جزء من التاريخ قبل التاريخ والتاريخ قبل الاسلامي والإسلامي بتنوعه وعلاقات طويلة مع كل الحضارات المعروفة. ولدينا من ماضينا ما نفاخر به في صد محاولات الاستعمار المختلفة، بل اننا كنا في مرحلة ما إمبراطورية عظيمة. أيضا هنالك آلاف الشخصيات التي تملئ هذا التاريخ والتي يمكن أن تغذي مخيلة أي مبدع بالملايين من الأحداث والقصص المُبهرة.

أما من ناحية تضاريس أرضنا فحدث ولا حرج، تجد لدينا كل ما يحتويه كتاب الجغرافيا من جبال وسهول ووديان وعيون وبحار وخلجان ومضائق وجزر. بل يمكنك أن تسير مسافة ساعات بالسيارة بين جبل تغطي قمته الثلوج بدرجة حرارة تحت الصفر الى صحراء صفراء لا متناهية من كثبان الرمال البِكر. مطبخنا التقليدي يجمع بين الذوق الخليجي على الشرق أوسطي على أطباق من شرق أفريقيا وآسيا. ولدينا عشرات الأطباق التي لا يعرفها غيرنا بل حتى أن أبناء بلدنا الذين يسكنون في الشمال لا يعرفون أطباق الجنوب !
حتى نعمة الأمن والأمان التي تميزنا عن أغلب بلدان المنطقة، تلك الجملة التي نكررها ولا ننظر الى بعدها الإقتصادي!! إبحثوا معي عن دولة في المنطقة يمكن لأي شخص عاقل سواء كان ساكن في دولة قريبة أو قادم من بعيد أن يغامر بالسفر اليها للسياحة كبلدنا. وستلاحظون أن العدد قليل جداً جداً بل يكاد يُحسب بأصابع اليد الواحدة.. ثُمَّ ماذا؟ جمعنا كل هذا وأكثر وأقفلنا عليه في المندوس!!!
لا تسهيلات تُشجِّع المستثمر البسيط قبل “الثقيل” ولا خدمات تنفع السائح ولا ابتكار في تسويق ما نعرض. الأسماك ثاني مصدر دخل وطني بعد النفط، أليس جميلاً لو أصبحنا وجهة عشاق الأسماك بقوارب سياحية للصيد معقولة التكلفة وبأسواق ومطاعم متخصصة مرتبة تنافس غلاء بلدان البحر الابيض المتوسط؟!
والتمور مصدر فخر وطننا ولدينا مشروع زراعة مليون نخلة، فكيف يدخل السائح ويخرج من وطننا وهو لا يعرف الفرق بين الخلاص والخنيزي؟! أليس مشروعاً منطقياً وجود مزرعة/حديقة يعيش السائح فيها تجربة حياة مُزارع النخيل العماني بنفسه ويشتري المنتجات المختلفة كتذكار لزيارته. لماذا هذا الأمر ممكن في الدول الفقيرة المصدّرة للشاي والقهوة والفاكهة والتوابل وليس ممكناً هنا؟
هل من المعقول أن نتباهى داخل بلادنا بالأفلاج كتحفة معمارية هندسية ثم لا نجد فلجاً محاطاً بخدمات يمكن أن ندعو السائح لزيارته والتعرف على تفاصيل بنائه بوضوح؟.. أليس مضحكاً أن نتشارك صور زيارتنا للعيون الكبريتية في بلدان العالم الثالث ولا نجد ترتيباً يرقى لما لديهم في أحد عيوننا الكبريتية الكثيرة الموجودة في كل محافظة تقريباً.
أليس غريباً أن نأتي محملين بأنواع الحلويات من البلدان المختلفة والحلوى العمانية بصمة هويّة تميزنا لا يعرف عنها غير القريبين هنا؟ لماذا هي الى الآن في شكل واحد وطريقة تقديم واحدة؟ لماذا نسمع عن منتجات أغذية مبتكرة من الحلوى العمانية ولا نراها في محلاتنا التجارية ولا في الخارج؟
لو كان مالك بن فهم ومازن بن غضوبة والمهلب بن أبي صفرة والخليل بن أحمد وابن دريد وراشد بن عميرة وناصر بن مرشد وأحمد بن ماجد وأحمد بن النعمان والآلاف غيرهم في بلدان تحترف السياحة لوجدنا لهم في كل مكان مشوا فيه متحفاً وفي كل شارع تمثالاً ولكانت شركات السياحة تسيّر الرحلات الى ما تبقى من بيوتهم وأضرحتهم. ونحن هنا أبناء بلدهم لا نعرف عنهم سوى ما تخبرنا به كتب المناهج التي لا يقرؤها غيرنا فكيف نلوم العالم ان لم يعرفهم؟

السياحة هي الحل الأمثل لمشكلة الباحثين عن عمل، والمخرج المثالي للأزمة الاقتصادية وهي استثمار طويل الأجل لن ينضب حتى لو شحَّ النفط. السياحة منجم نُصِّر على تجاهله بينما تعيش مجتمعاتٌ غيرنا أجمل أيامها بسببه. واذا لم نتعامل بعملة الواقع في العالم اليوم، فربما يذهب الغير بما لدينا ونجد أنفسنا بعد سنين نحاول اخراج قروشنا التي كنزناها فلا نجد من يقبلها.

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock