آراء الكتابمسارات

الصحفية تماضر صادق تكتب للمسار

عكـــــــازة الذات

في الحياة ثمة ممرات ودهاليز وطرقات ومسارب، نمضي فوق الغيم أحيانا، وأحيانا نتوه في طرقات النفس العميقة ولا نكاد نرى طريقا مضيئة شمعته في آخر النفق، لذلك، تسير التفاصيل من دون الالتفات إلى أننا قمنا في مرحلة ما من العمر بصنعها بنماذج تفكير تلقيناها تلقينا، أو قلدنا فيها نموذجا بشريا معينا، أو قادتنا ظروف معقدة لمسار لم نختره عن سابق إصرار من الوعي، لهذا نشعر أن الحياة في لحظة ما توردنا مهالك لا قدرة لنا على دفعها. 

ذات تابعة
في الطفولة المبكرة التي تعقب صرخة الحياة، نجد حولنا من يتولى رعاية ذواتنا، لسنا جميعنا، فهناك من لا يجدون من يعتني بهم، ولكن أولئك المحظوظون يجدون أبا وأما، أحدهما أو كلاهما، يجد عما أو خالا أو جد، عمة أو خالة أو جدة، وربما وصيّ يقوم بدور الرعاية، لذلك كنا تابعين في تلك المرحلة، نتبع الظرف التاريخي والمكان الجغرافي والرؤية الاجتماعية والعادات والتقاليد والأصول السلوكية والمناخ التربوي، هذه العناصر كلها بمثابة وجوه وأياد وأفكار تقودنا نحو مرحلة عمرية معينة، مرحلة علينا أن نقرر فيها أن نلتزم بالتبعية أو نستقل في الحياة، وإذا كانت المساحة جيدة للتأمل والتفكير واتخاذ القرار، فسوف يجد المرء ذاته في المساحة التي لا يريدها غالبا، ولكنه سيختار أن يكون له طريق خاص.
تلك الذات التابعة ليست أكثر من ظل، وهنا يمكن التفكير في أصل ذلك الظل، من ناحية الوعي والمسؤولية والحب والتفهم والقدرة على التربية من عدمها، من بوابة (كلكم راع)، وهي حقيقة تنعكس على الذات التابعة في قابل الأيام، التي نعدها سنين من الحياة المستمرة.

ذات مستقلة
في الغالب، خلال مرحلة الطفولة، يكون الاستقلال وهميا، لأن الخطأ هو أساس العقاب، والتفكير يظل في دائرة المجموعة، ومن هذه الزاوية لا يمكن الجزم بأن تأهيل المرء ليكون مستقلا هو عمل تربوي محدد المعالم، وفقا لما نعرفه الآن عن فكرة الاستقلال، فالتربية هي مجس التحديد الذي يسير وفقه المرء على خارطة طريق معلومة، سيكون القرار الفردي أشبه بالتمرد، ولهذا (يشتري المرء دماغه) ويبقى في دائرة التوافق المجتمعي الصغير، أي الأسرة، وهي نسخة مصغرة عن المجتمع الكبير.
تبدأ الاستقلالية البدئية بعد عبور الثانوية العامة، ثم تنصقل خلال مرحلة الدراسة الجامعية، وكلما خرج المرء نحو ثقافة ومكان وجغرافية ولغة أخرى زادت حدة الاستقلالية بمعناها الرافض وصاية الغير، مع تغليب رأي الذات في القرارات الشخصية، وهذه استقلالية منقوصة، لأن الاستقلالية تستلزم تحمل المرء قراره الشخصي، سلبا أو إيجابا، ليس خروجا عن عباءة التوافق، بل اختيار لمسار قادم ، وهو المستقبل، فلكل فرد مستقبله، ولكل فكر ما يشغله، ولكل معرفة اسلوبها في فهم الحياة والتعاطي معها.

وقت متأرجح
ما بين اتخاذ قرار الاستقلالية من جهة، وحصول نتائج ذلك القرار من جهة ثانية، هناك تتشكل الكثير من المواقف والظروف والتحديات والصراعات والسلوكيات التي تكون بمثابة ردات فعل على العديد من الخطوات التي يتخذها الإنسان تبعا لقراره.
هو وقت صعب، فربما يكون محقا، وربما يكون غير محق، ففي الحالين سيكون حاملا أثره في ظله، سواء كان أثرا جميلا أو سيئا، وسيعلق بذاكرة المكان الذي ينتمي إليه، وهو في الحالين مثال على البحث عن الاستقلالية والرضوخ لها واستمالة ما فيه تجاهها.

عكازة وشعرة
واقعيا، سواء استقل الإنسان أو لم يستقل، سيجد نفسه في مختلف حالات قراراته التي يتخذها وحيدا، بمعنى، سيكون عليه أن لا يرمي إحباطاته من الظروف الصعبة، والتجارب الأليمة، والمسارات التي لم يخترها، أن لا يرميها في طريق ويتخذها عذرا، سيكون عليه أن يكون قويا، وأكثر تكيفا، وسيكون عليه أن ينسجم مع كل مستجد.
هو في الواقع صنيعة نفسه، بغض النظر عن التلقينات التي تلقاها، والتكوينات التي شكلت شخصيته، كل ما عليه فعله أن يشعر أن قدره ليس صنيعة نفسه، بل صنيعة الله، ولكن إيمانه هو صنيعة نفسه، لذلك على الإنسان أن يبث الإيمان بقوته وقدرته على تجاوز العقبات، فهذا سينعكس عليه، وأن لكل مجتهد نصيب، مهما كانت الظروف صعبة وغير متوائمة مع الواقع.
الإنسان عكازة نفسه، فليس له أحد سوى إيمانه بما في داخله..

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “عكـــــــازة الذات”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock