آراء الكتابمسارات

أحلام الحاتمية تكتب لـ المسار:

عقولٌ تُبعَثُ من مرقدها

المسار| آراء الكتاب

أحلام الحاتمية

لاشك أن ما يقف حائلاً دون تحقق الكثير من المنجزات الإبداعية التي تمور بها عقول المبدعين والمبتكرين في كل جزءٍ من الثانية، هو الإعتقاد السائد بأن هنالك نخبةٌ من الأفراد يعوّل عليهم حمل لواء الإبداع والنهوض به ، ولا يجب لغيرهم المساس بهذه المهمة.

إن تقهقر ثقة الأفراد بأنفسهم وبأفكارهم البكر تُشكلُ معولاً هدّاماً يعمل على إجهاض أجنة الأفكارِ الإبداعيةِ الخلّاقة ويجعلها رهينة عقولٍ مترددة إلى أن يخنقها غبار الزمن المتعاقب.

وحدهم أولئك الذين يدركون بأن النقطة التي وصل إليها العالم من التطور والحداثة ليست أقصى ما يمكن للبشرية بلوغه ؛ فما زالت هناك عقول تبتكر في كل مرة حقبة يانعة لتواصل الإنسانية عيش ما اعتقدت بأنه ضربٌ من ضروبِ المستحيل في سالف الزمن.

لقد كان الإبداع بالأمس وحده من أسس لمخاضِ قيام المستعمرات البشرية كمرحلة لاحقة لإنسان الترحال والصيد ، وهو اليوم ذاتُ المصطلح الذي مكّن العالم المترامي من الظهور على شاشة بطول خمسة عشر بوصة فقط. الإبداع والإبتكار هما إكسير الحياة ، وعجلة تدفع موكب العيش إلى أزمنةٍ وأمكنةٍ ما كانت لتأخذ موقعاً على خارطة التاريخ لو لاهما.

إن المشكلة الحقيقية تكمن في عدم تقدير ما يمكن للإبداع تحقيقه لو أُعطي مساحةً كافيةً من الحرية ، لذلك قلة هم الذين يطلقون العنان لأفكارهم لتبلغ تلك المرحلة التي تفصلهم عن ما هو موجود وتفتعل لهم صوراً لإبداعاتٍ جديدة يمكن تجسيدها على أرض الواقع. وإذ نحن بصدد كتابة هذا المقال ، فإننا لا نزجُ بالحقائق جزافاً وإنما نستند لخلفية تاريخية تعجُّ بعظماء استعانوا بمجداف الأبداع لينجوا من معمعة الرياح التي ما فتأت تغرق مركبهم ؛ فوالت ديزني الذي طرد من الصحيفة التي أفنى عمره في المساهمة في تأسيسها ، آمن بأن فكرة تأسيس أضخم مدينة للألعاب في العالم ليست فكرة مستحيلة على الرغم من أنه كان يقترب من إفلاسٍ مدقع ، إلا أن إيمانه بأفكاره الإبداعية جعلته يخوض غمار حربٍ أفضت إلى نجاح باهر. أما الرسام الشهير فان جوخ الذي رسم معظم لوحاته مستخدماً سكيناً في توزيع الألوان بدلاً من الفرشاة ، وُصف بأنه مجنونٌ في عصره ، ولم يبع سوى لوحةً واحدةً خلال حياته كلها، لكن إيمانه بأن ما يفعله هو إبداع محض جعله يواصل الرسم على ذاتِ المنوال دون أن يعلم بأن ثمان مائة لوحة رسمها ستكون من أكثر اللوحات التي يتهافت الناس على اقتنائها اليوم ، بل ومن أبهضها ثمناً.

حينما كان الروائي الروسي الكبير ليو تولستوي يفضل كتابة الروايات على مذاكرة كتبه الجامعية أو الكتابة في التاريخ أو الطب كما اعتاد الكتّاب في عصره ، كان مدرسوه يُهيلون عليه الانتقادات ويصفون ما يفعله من تأليف بأنه فعلٌ ماجن وبأن الكتابة والتأليف يجب أن تُدفن مع جثث أفلاطون وأرسطو حيث مات اهتمام المجتمعات بالكتابة بموتهم ، إلا أن أسلوب تولستوي الإبداعي الفريد الذي يغوص في مخبوئات النفس البشرية ويكشف ما يجول في أساريرها جعلت من روايته الأولى والتي عنونها باسم الخيميائي تنصّبه على عرش كاتب روسيا الأول ، وتجعل من كتابه ذاك والعديد من كتبه الأخرى منهّاجاً يُدرسُ في الأدب الروسي.

إنّ هذه الشخصيات وغيرها العديد صنعتْ قراراً واحداً غيّر حياتها للأبد ، هذا القرار هو إعطاء الثقة للأفكار الإبداعية والتسليم بحقيقة كونها قادرةً على أن تتحقق على أرض الواقع إنْ تمسك بها الفرد لفترة كافية. ولعل الإبداع في حقيقة الأمر يعملُ في المجتمعات عمل الفيتامينات المقوية في الجسم ، فالمجتمعات التي يسودها الركود والرجعية والإلتزام بما هو موجود كأنه نص مقدس لا يجوز تغييره أو المساس به ؛ هي مجتمعات هشة يسهل انهيارها عند أول عارضٍ يواجهها ، فالأفكار كالجدران تتصدع مع مرور الوقت وربما تتهاوى إذا لم تجد الترميم والتجديد اللازمين.

أما تلك المجتمعات التي تحرص على الأخذ بيدِ كل فكرةٍ مبدعة من شأنها أن تنتقل بالركبِ إلى المرحلة التالية ، فهي مجتمعات قويةُ اللبناتِ متماسكة، لا ينضب معين بدائلها وأفكارها ، تواجه المشكلات بفكرة مبتكرة جديدة في كل مرة. ولعل واحد من أبرز المجتمعات الذي يمثل النوع الثاني هي الصين؛ أعلى الدول من ناحية الكثافة السكانية ، تكاد مواردها الطبيعية أن تكون منعدمة ، لا تمتلك تاريخاً صناعياً عريقاً ، ستة بالمائة من إجمالي سكانها تحت خط الفقر؛ لكن على الرغم من كل هذه المؤثرات استطاعت الصين أن تحتّل مرتبة ثاني أقوى دولة اقتصادية في العالم بعد الولايات المتحدة الأمريكية ولا يعزى ذلك لتطويرها لخط إنتاجٍ صناعيٍ مستقل ، بل لأنها اعتمدت منذ بداية ثورتها الصناعية على فكرة إبداعية جوهرية واحدة ، وهي صنع الرقائق المقلدة وتصديرها بالتزامن مع طرح المنتجات الأصلية مما يجعل أغلب الناس يقبلون على المنتجات ذات الأسعار المنخفضة مقارنةً بتلك الأسعار الخيالية التي تعتمدها الشركات العملاقة.

وعلى الرغم من أن الصين تعي بأن التقدم الفكري يفرض على الفرد اقتناء المنتجات الأصلية والاهتمام بالجودة في مقابل إهمال القيمة، إلا أن مخططها كان في حقيقة الأمر ذا بعد طويل الأمد ، فبعد مرور أقل من عامين أصبح هنالك سوقٌ رائجٌ للبضائع الصينية في كافة دول العالم ، واصبح اسم هذه البلد يتواجد في معظم مقتنيات الأفراد الشرائية. لقد حققت الصين ما حققته من تقدمٍ اقتصادي ملحوظ في غضون أقل من عقد من الزمن بفضل إيمانها بفكرة ابداعية واحدة ، تشبثت بها وعملت من أجل إنجاحها وها هي اليوم تتمتع بدعامةٍ إقتصادية متينة. إن هذه الأمثلة التي أوردناها ليست مجرد نتائج ، إنها وليدة مرحلة متواصلة من العمل القائم على أساس تقبل الإبداع كسمةٍ مهمة للنجاح في أي مجالٍ كان. فلو أن الأفراد أعطوا الضوء الأخضر لخلاياهم العصبية لكي تبتكر وتبدع وتتخيل وتجعل ما هو كائنٌ اليوم قاعدةً لإبتكار ما سيكون في الغد لنشأت مجتمعاتٌ فتيةٌ لا تشيخُ أفكارها ولا تُوأَدُ في مهادها .

إنّ خطى العالم ماضيةٌ بخطواتٍ حثيثة ، تطحن رحاها العقول المتبلدة وترمي بها في منفى الهوامش، ولا تُبقي إلا على تلكمُ العقول التي تجري بشعلة البشرية ناقلةً إياها من عصرٍ إلى آخر ومن اختراعٍ إلى كينونةٍ جديدة ، تلكمُ العقول التي تجتثُ أواصر المستحيلات لتبنيَ بها واقعاً مُحَقَقَاً، وتُعجّل أفولَ الخريفِ بكل ما يحمله من خيباتِ أملِ عامٍ منصرمٍ تتساقط مع أوراقه الجافة ، لترحب بزهو انجازاتِ الربيع واشراقته.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock