آراء الكتابمسارات

الصحفية تماضر صادق تكتب لـ المسار:

طبل فارغ

 آراء الكتاب
تماضر صادق
في الحياة نرى الكثير من المشاهد التي تجعلنا نصمت أحيانا مكتفين بالسماع، وأحيانا تدفعنا إلى المشاركة، وأحيانا تدفعنا إلى النظر والتأمل، وأحيانا تدفعنا إلى الاحتقان، ومن واقع تلك المشاهد يمكن أن نصوغ علاقتنا بالبشر المحيطين بنا، والتعامل معهم وفقا لسلوكياتهم التي تعكسها عوامل كثيرة، أولها المنزل، وليس آخرها التهذيب واللياقة الذاتية التي يتمتعون بها. 
مع أننا في أحياناً مختلفة نشعر أنه لا بد لنا من اتخاذ موقف ما تجاه تلك المواقف ، ولكننا نعود إلى الصمت العاقل، آسفين على حال بعضهم، مما يحملنا ذلك الأسف إلى مناطق أخرى من تكويناتنا الشخصية التي تمنحنا خارطة طريق للتعامل مع أصحاب هذه المواقف، متسلحين بالعقل والحكمة والتروي و” التطنيش”.. 
تكوينات 
البشر لديهم تكويناتهم الخاصة، تعبر عن طبيعة ما تلقوه عبر العقل الواعي أو الباطن، وهو ما يجعلهم على وتيرة واحدة، ومن بين هؤلاء من يمكن أن نسميهم (الطبل)، كناية عن الصوت الأجوف القوي الفارغ، بحيث إذا تم ثقب الجلد يذهب ذلك الصوت، ويبقى الوعاء الواصل بين دفّتي الطبل فارغا تماما.
أشخاص يمثلون أدوار الفاهمين والعارفين و “الموسوعيين”، تجدهم في كل محفل يتحدثون، وفي كل رأي لهم رؤية وتحليل، وعند الالتزام بالتركيز على ما يقولونه مقارنة بما يفعلون ويتصرفون، سنجد البون الشاسع، الذي يجعلهم في عالم غير الذي يقولون به ويوصلونه إلى الناس، ممن حولهم أو قريبون منهم.
كلام كثير يقولونه، محفوظ وموزون ومرتب، ولكنه لا يعكس فكرا أو رؤية أو ثقافة، يحفظون عن الكثيرين، ويستشهدون بما يحفظونه عن ظهر قلب، ولكنهم ليسو أكثر من متلقنين، هم مذياع متحرك، وطبل فارغ.
استعراض 
يميل الأشخاص الذين لديهم صفات الطبل الأجوف إلى التدخل في كل شيء، وتسجيل الحضور بالرأي والرأي النقيض في كل حديث، بل وتصل الأمور إلى أن رأيه ليس مجرد رأي يمكن الأخذ به أو رده، لا، بل رأيه عين الصواب، وأنه يمتاز بحذاقة التعابير وحصافة الرأي، بما لا يترك مجالا للآخرين كي يكون لهم رأي خاص بهم، وهذه طامة كبرى.
تلك الاستعراضات، بقدر ما تضعه في مأزق حقيقي عندما يتواجه مع شخص حقيقي، يبتي رأيه على مزيج من تجربة ومعرفة ومعايشة لظروف الموضوع المطروح وأبعاده الاجتماعية والسيكولوجية ومظاهر حضورها في أحداث تاريخية ذات أبعاد اجتماعية، فسيقف هذا المستعرض الطبل عند حده، لأن المحفوظ لا يسع كل شيء، وليس كل محفوظ يناسب المواقف المختلفة، وليس كل عام يسهل تخصيصه، كما ليس كل خصوص يسهل تعميمه، وبذلك سيجد هذا الشخص ذاته في مأزقين، أحدهما فكري، والثاني اجتماعي.
خواء
ما تعكسه شخصية الطبل هو الخواء، يحاول أن يكون له دور بأي شكل من الأشكال، يحاول أن يكون له رأي مسموع مهما طال به الحال، ومن أجل تحقيق ذلك تجده يدخل في نقاش يعنيه ولا يعنيه، يقول ما لديه من دون علم بالتفاصيل، ويفتي بما جادت به قريحته من دون وعي منه بماهية الموضوع أو أبعاده أو مراميه، هو شخص مسكين فكرا وتجربة، وهو شخص لا أثر له حضورا وإنصاتا، لذلك هو يلجأ إلى الوسائل المختلفة ليخرج من محبس عدم الأهمية الذي صنعه لنفسه، وهذه كارثته.
خاتمة
ما نود قوله هو أن الإنسان يتكامل مع آراء الآخرين، ومعرفة من دون بحث وتجربة وتعايش تصبح مجرد معلومات جوفاء إذا تم استخدامها في موضعها غير الصحيح، ثم إن المثل القائل (من تدخل في ما لا يعنيه وجد ما لا يرضيه) هو بمثابة جرس إنذار مفاده : توقف، أنت لا علاقة لك بما يحدث.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “طبل فارغ”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock