آراء الكتابمسارات

تماضر صادق تكتب لـ المسار:

بين الصراحة والوقاحة

في حياتنا الإجتماعية، هناك العديد من السلوكيات التي عندما نراها أو نصدم بها، أو تصل إلينا عبر وسيط ناقل لأحداث ما، فإننا نقرن ذلك السلوك ، سواء كان سلبياً أو إيجابياً، بالمستويات الاجتماعية تربوياً، والعلمية ثقافياً، والمرجعية السلوكية خبراتياً، بحيث نتمكن من معرفة واقع الأثر الذي تحول مع الوقت إلى نسخة يمكن أن تكون مثالاً على الصلاح أو الطلاح، بغض النظر عن المستوى العمري للفرد الذي صدر منه الفعل أو رد الفعل.
التحولات المجتمعية التي نقلت المجتمع من مستوياته المنغلقة إلى المستويات المفتوحة، ربما كانت سبباً في حدوث خروج عن مألوف السمات الطيبة التي جد المجتمع عبر أشكال تربوية مختلفة لتجذيرها عبر عقود، لتتحول إلى مشهدية اجتماعية فارقة، يكون الفعل والرد عليه هما النتيجة التي من خلالها يمكن فهم طريقة تفكير الفرد والمجتمع على حد سواء.
تربية
يمكن النظر إلى التربية على أنها عامل مهم في تحديد السمات الشخصية للفرد، الذي هو نتاج ثقافة تراكمية في المجتمع، أو نتاج مخرجات تربوية مستقلة في البيت الواحد، مما يجعلنا ننظر إلى التفاصيل بعين الاعتبار، لأنها واحدة من الأسباب التي من خلالها تتشكل أخلاقيات الفرد ومآلات السلوكيات المرتبطة بتلك الأخلاق، وهو ما نظن أنه ضروري لفهم كيفية تفكير الفرد الواحد.
لا يمكن القول إن التربية تراجعت في حياتنا المعاصرة، ولكن يمكننا فهم بنية تفككية، أصبحت تطال المجتمع، وهي الاستقلالية، ليس بمعناها السلبي فحسب، بل بمعناها الإيجابي كذلك، وهو ما نرى أثره في المقام الأول، وإن كنا لا نرى تفاصيل تشكيلها في كل بيت على حدة.
صراحة
عندما يتعلم المرء أن يكون صريحاً، يعتقد في أعماقه أنه يملك ناصية الحق، وأن ما يقوله هو الحقيقة، وأنه مكلف بإيصالها بكل الطرق الممكنة، حتى وإن كانت جارحة أو مؤلمة أو مؤذية أو قاتلة، من دون مراعاة لظروف المنصوح سماعا أو كتابة.
و قال شاعر ما قديماً :
تعمدني بنصحك في انفراد
وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع
من التوبيخ لا أرضى استماعه
فالنصيحة الصريحة بين الجمع مؤذية، والنصيحة في الخفاء محمودة، ولكن تعمد التقليل من شأن الآخرين، أو ممارسة أدوار العارفين والحكماء بحجة الصراحة، أو التفوه بألفاظ قد تؤدي إلى تحقيق غايات عكسية في حق الآخرين، كل ذلك لا يكون نصيحة ذات وظيفة اجتماعية يرجى لها تحقيق الغايات المبتغاة من وراء الصراحة.
بحسن نية أو بسوء نية، يمكن أن تتحول الصراحة إلى شيء آخر، شيء ربما يندرج تحت ما لا تحمد عقباه، وبالتالي ستتحول الرغبة الدفينة في النصح إلى إشارات وآثار ترتد على صاحبها، وتسبب أضرارا بالغة على المقصود بها.
وقاحة
يحصل أن لا تكون النصيحة مدعمة بالخلق القويم والسليم، وعادة ما تكون مقصودة بهدف الإيذاء المتعمد عن سابق إصرار وترصد، كانتقاء الظرف والوقت غير المناسبين، أو أن يتم توجيهها بنغمة صوتية يفهم المنصوح ومن حوله مدى المبالغة والشخصنة، وعادة ما يكون الوقح الذي يوهم الآخرين بالنصيحة حامل موقف يرده بأثر رجعي، وهنا يحصل ردة الفعل، فإما أن تتحول النصيحة بتقنية الوقاحة إلى مشكلة صريحة وعلنية بوصفها ردة فعل، وإما أن تتسبب في حصول حقد مزمن ناتج عن الحرج الذي وقع فيه المنصوح، وعادة ما يكون الناصح الوقح مكروها في السر أو في العلن، لكن حجم ضرره على الآخرين أكبر من حجم الضرر الذي يقع عليه.
خاتمة
الناصح العارف ذو الرسالة الاجتماعية، يختلف عن الناصح الوقح، فالنصح يجب أن يبنى على أخلاق رفيعة، وإلا تحول النصح إلى وقاحة، وهنا لن نحصل على الهدف الإيجابي من وراء النصيحة، فالصريح الخلوق، خير من الصريح الوقح.
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “بين الصراحة والوقاحة”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock