حواراتقضايا المسار

حوار مع الباحث الاجتماعي: يونس المعمري

النكتة.. مجرد فراغ أم علاج للقضايا؟

ظاهرة تفشت في المجتمع العماني، وأصبحت متداولة بشكل كبير وهي توجه شريحة كبيرة من العمانيين إلى اعتماد التنكيت وسيلة للتعبير عن الأحداث الجارية، وعن كل موقف أو قضية تحدث في المجتمع سواء السياسية أو الإجتماعية أو غيرها من القضايا وبسرعة هائلة، وقد ساهمت أجهزة الإتصال الحديثة وأيضا وسائل التواصل الاجتماعي في تأسيس قاعدة قوية للنكتة لدى العمانيين، ثم تتعدد طرق تداولها سواء بالكتابة، بالصوت، بالصورة، بالتعليقات أوالتعبيرات اللاذعة والكاريكاتيرات.

يشاركنا الحديث حول هذا الموضوع والبحث في أسبابه وأبعاده،  الباحث الاجتماعي يونس المعمري صاحب كتاب قسم جراحة النكتة

حـاورته: سارى عبدالله البلوشي

لمن لا يعرف يونس المعمري فهو  يونس بن علي بن سالم المعمري من مواليد ولاية شناص ، خريج تخصص علم الاجتماع من جامعة السلطان قابوس بدرجة البكالوريوس عام 2011م ، كان موظفاً بالجامعة العربية المفتوحة، وحالياً موظف بديوان البلاط السلطاني بوظيفة باحث اجتماعي كما أنه عضو بمختبر الشباب التابع لبيت الزبير .

وفي الحديث عن تاريخ النكتة وأشكالها يذكر المعمري أن تحديد التاريخ الأول لظهور النكتة من الأمور الصعبة لعدة أسباب تاريخية و أدواتية و لا يمكن تعقب أقدم نكتة بالتاريخ كون النكتة ذاتها واقعاً ساخراً رافق الإنسان منذ وجوده على سطح الأرض ، لذا فإنا نجد كثيراً من الكتاب و المؤلفين المختصين غير متأكدين من شخصية أول إنسان ابتكر النكتة و أضحك بها من حوله وفي أي تاريخ حدث ذلك، لكن قيل أنه ورد في التاريخ الإغريقي، أن بلاميدوس، بطل حرب طروادة، هو أول من اخترع النكتة. وكان في أثينا حينئذ نادٍ كوميدي يسمَّى مجموعة الستين ، ويقال إن هذا النادي تسلَّم مبلغاً طائلاً من المال من فيليب حاكم مقدونية لأجل تدوين نكاتهم.

ويضيف المعمري بقوله: حصلنا على مجموعة من النكات عبر العصور المتفاوتة، تم حفظها في البدء على ألسنة الناس ثم منقوشة على المعالم و الآثار كما عند الفراعنة و البابليين و من ثم انتقلت مكتوبة على المخطوطات وقد ساعد اكتشاف الكتابة و الورق و الأحبار على حفظ هذا الموروث الإنساني العميق “ولأنها في الغالب نكتة (شفوية) فهذا يعني أنها أقدم بكثير من ظهور النكتة المكتوبة – كون الكتابة نفسها لم تبتكر إلا قبل خمسة آلاف عام في سومر وبالتالي من الطبيعي أن تكتشف أقدم نكتة مكتوبة في سومر نفسها.

وفي حديثه عن أشكال النكتة فيقول أنها محدودة وتمثل في نص نثري غالباً، وهو لا يعتمد على خصائص مقننة إنما تكون تلقائية في غالب الأحيان ، أما الأشكال المضمونية فالنكتة دخلت في جميع مجالات الحياة دون استثناء .

ووصولاً إلى اليوم وعن إمكانية القول أن وسائل التواصل الإجتماعي هي من أسس قاعدة قوية للنكتة وساهم في انتشارها، يجيبنا المعمري قائلا: بطبيعة الحال نعم ، فشبكات التواصل الاجتماعي ساهمت بشكل كبير جداً في انتشار النكتة بما تملكه من آليات تعينها على ذلك.

أما عند سؤاله حول السبب وراء اعتماد التنكيت وسيلة للتعبير عن الأحداث الجارية في المجتمع، وما هي دلالات هذه النكت، فيعبر المعمري عن ذلك بقوله: اتخاذ النكتة كونها أداة من أدوات التعبير جاء لعدة أسباب من أهمها أن النكتة تنتشر دون اسم قائلها،  مما يخفف المسؤولية عن صاحب النكتة إن كان محتواها يستحق العقاب، و لأن النكتة نابعة من عمق المجتمع وتأتي دون محسنات تجميلية فهي صادقة وواقعية وواصفة لحالة الناس، ولأن الناس يستطيعون إبداء آرائهم بالنكتة أكثر من أي أداة أخرى؛ لأن النكتة تستخدم التورية غالباً والتورية حماية من تبعات الجمل المباشرة.

أما دلالات التنكيت فيقول أنها كثيرة ومنها رغبات إنسانية و مجتمعية دفينة تظهر على السطح، وهي دلالة على الرغبة في إبداء الرأي بأي طريقة كانت، إضافة إلى أنها دلالة على قدرة الناس على ملاحظة الوضع وتحليله واقتراح العلاجات بشأنه، مشيرا إلى أن أهمية النكتة تكمن في كونها كاشفة عن وضع المجتمع المسكوت عنه، وعن احتياجات ورغبات الأفراد.

أما عن دور النكتة وإسهامها في حل قضايا المجتمع فيرى يونس المعمري، أن في غالب الأحيان النكتة تحمل بصورة مباشرة أو غير مباشرة علاج لمشكلات المجتمع، كما أن الناس يتأثرون بصورة أو بأخرى بهذه العلاجات المقترحة، ويتوقع أنه ربما تكون هناك مؤسسات راصدة لهذه النكت وتعمل على استخلاص العلاجات المقترحة ودراسة إمكانية تطبيقها.

وعن السبب الرئيسي وراء انتشار النكت هل هو عائد للفراغ الذي يعاني منه المجتمع أو الشباب في الوقت الراهن، فلا يتوقع المعمري ذلك، معللاً أن هناك أسباب أخرى كضغوطات الحياة و السخط والإرهاق والفشل والنجاح وغيرها، تدفع الشخص للتنكيت والضحك، مضيفا إلى أن النكتة لا تتبع معياراً معيناً ، بل هي وليدة اللحظة، لذلك فالنكتة التي تأتي مصطنعة ومتكلفة حسب رؤيته لا تستطيع إضحاك الناس كتلك التي تأتي عفوية، مبينا أن النكتة وليدة المجتمع، وكل مجتمع يختلف في مكانه وزمانه ومكوناته الثقافية، فما قد يكون مضحكاً في الهند قد يكون غير مضحك في مكان آخر مثلاً .

ويحدثنا المعمري عن تبعات انتشار ظاهرة التنكيت وعن ما إذ كانت هناك أية أضرار أو تداعيات على المجتمع،  أم تقتصر النكتة على كونها وسيلة تحمي الشخص من المساءلة نظرا لنقده نقد غير مباشر وغير موجه لشخص بعينه قائلا: إن وجود تأثير للنكتة على الفرد أو المجتمع يحتاج لدراسات منهجية للتأكد منها، ولكنه يفترض حسب تتبعه أن هناك تأثير للنكت على الأفراد والمجتمعات وإن كان على المستوى الزمني البعيد، فهي تترسب كونها عنصر آيدولوجي في ذهنه ولا يظهر إلا حين يستفز أو يجد فرصة للظهور، وعليه لا نستطيع الجزم بنوعية هذه الأضرار أو بكميتها إلا بعد دراستها دراسة علمية.

وردّاً على كون المجتمع بين مؤيد ومعارض للنقد وهل النقد اليوم بأي شكل كان يعتبر حالة صحية أم هو يسبب في توليد أزمات أكبر، ومن الشخص المؤهل للنقد أم أن كل المجتمع لديه الحق في التعبير عن القضايا في مجتمعه انطلاقا من غيرته على وطنه، يؤكد المعمري أن المجتمعات تحتاج للنقد الذاتي المستمر، ومن لا ينتقد ذاته ويراجعها ويقيمها سيتجاوزه الزمان وسيكون مخادعاً مدمراً لنفسه ، مشيرا إلى أن الجميع لهم الحق في إبداء آرائهم سواء بالنقد أو بغيره، مركزا على أنه في الوقت ذاته علينا أن ننشر الوعي فيما يخص النقد الواعي البناء المنتج وعلينا أن نسعى لفتح مجال أوسع وسقف أعلى للنقد في المجتمع.

ويرى المعمري أنه بعد تفشي ظاهرة التنكيت فهي قد تكون صراخ للفئة الصامتة أو المهمشة التي لا تستطيع إيصال آلامها إلا بالضحك ، أما عما إذا كنا لانتمتع بحرية التعبير عن الرأي فيرى أنه من الجيد أن نرفع السقف قليلاً فيما يخص ذلك .

ويؤكد المعمري أنه ليست جميع النكت تحمل علاجات للقضايا، بعضها يكون تهكم على الوضع الاجتماعي والثقافي والاقتصادي والمعيشي بصورة عامة، و بعضها يكون نتيجة فهم مغلوط لواقع الحال والذي يستوجب معالجته .

ويذكر لنا يونس أن التنكيت ليس علماً لحد الآن، لكن هذا السؤال يطرح سؤالاً آخر هو: هل يمكن علمنة النكتة وجعلها علماً مستقلاً بذاتها وتكون بهدف علاج القضايا؟

ومن ناحية أخرى يذكر لنا أن هناك مؤسسات أمنية و استخباراتية حول العالم تستخدم النكتة لجس نبض الشارع ولاستطلاع الآراء ولتحقيق بعض الأهداف الأمنية بلا شك .

ختاما يحدثنا الباحث الاجتماعي يونس المعمري عن كتابه قسم جراحة النكتة، مضمونه والرسالة التي يود إيصالها من خلاله قائلا:

الكتاب يعد كتاب تحليلي ونقدي، فهو يحلل 53 نكتة منتشرة في المجتمع العماني عن طريق تحليل المضمون مركزاً على تحليل بناء النكتة من جهة و مضمون النكتة من جهة أخرى،و ويرى أن تحليل النكتة بالنسبة له ليست هواية فقط إنما تمرين عقلي كذلك، و محاولة لفهم المجتمع و استقراء تفاعلاته المستقبلية، مشيرا إلى أنه دور من أدواره كونه باحث اجتماعي.

ويجد المعمري أن النكتة حديث مجتمعي حقيقي واقعي عميق صادق لأنه متخلص من جميع الأطر والحدود التي يخشى فيها الفرد الحديث بحريته، فهي طائر حر و لذلك يقول فيها الفرد ما يختلج في عمقه دون خوف، “و هذا ما أبحث عنه تماماً “الحديث الحر، لأنه الكاشف الحقيقي لما يدور في المجتمع، حسب قوله.

وقام المعمري في الكتاب بمحاولة تحليل النكت العمانية ـ المنتجة أو المتداولة في عمان ــ التي بالإمكان تعميمها على المجتمع الخليجي بصورة عامة، و ذلك للتشابه الاجتماعي الكبير بين شعوب دول الخليج، و ذلك بملاحظة حركة الكتابة و شكل النص و بنيتيه الداخلية و الخارجية و إمكانات ربط الأفكار و الأسباب و النتائج.

ويشير المعمري إلى أن الهدف من هذا الكتاب هو محاولة غرس مهارة الملاحظة و النقد على السائد، ويوق: هدفي أن أساعد على أن نكتسب مهارة السؤال و استخدام أدواته: لماذا و كيف و متى عند مواجهة أي نص يواجهنا، ويضيف: أريد أن نصل إلى كبح انزلاقنا مع النص، أريد أن نقف متى نود الوقوف على ما نشاء دون أن يسرق منا اللاواعي قدرة الانتباه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock