حوارات

أكد أن التخلي عن "دولة الرفاه" يستلزم تقديم "تضحيات"

الكاتب الكبير مرتضى حسن لـ”المسار”: المنطقة عرضة لموجة أخرى من الانفجار الاجتماعي أشد حدة من 2011

  • علينا أن نفكر في كيفية التخفيف من عبء الاقتراض
  • على الجهات المختصة إعادة التفكير والنظر في الأنظمة القائمة التي تفرض شروطا على البناء من ناحية استعمالات كميات الأسمنت والحديد وغيرها
  • مشاكل معظم دول المنطقة تتفاقم، فالإصلاحات الحقيقية مؤجلة على الأقل، وكلما تتأجل تزداد تكلفتها
  • على دول الخليج أن تتحول من شعوب اتكالية إلى شعوب منتجة وعليها البدء بالتخطيط العلمي بدلا من العشوائي
  • الاضطرابات الاجتماعية “زلازل” يمكن التنبؤ بها.. ومن الصعب تحديد توقيتاتها

 

  حوار المسار | علي العجمي

تصوير | مرح القريني

 يؤكد الكاتب الكبير مرتضى بن حسن بن علي ضرورة أن تغادر السلطنة حقبة الاقتصاد النفطي “الآن”، والقيام بإصلاحات اقتصادية جذرية وتحول اقتصادي شامل، يضمن تحقيق تنويع اقتصادي فعال، وبناء قطاع خاص قوي.

وفي حوار خاص مع صحيفة المسار الإلكترونية، يقول مرتضى حسن إن التقدم السريع في مسيرة التنمية أفرز مشكلات يتعين وضع الحلول لمجابهتها، مثل ضرورة التحول الجذري في نظامي التعليم والتدريب لإيجاد الكفاءات المتخصصة، ومواكبة متغيرات التعليم وسوق العمل من حولنا.

ويضيف أن قضية التعليم لا تتعلق بوزارة التربية والتعليم وحسب، بل إنها قضية وطنية تتشارك فيها مؤسسات الدولة جميعها، لأن التعليم هو المستقبل.

 اليوم تنشر صحيفة المسار الجزء الثاني من الحوار..

# ما الحل الأنجع برأيك لحل أزمة عدم قدرة الشباب على الحصول على مسكن بتكلفة معقولة دون اقتراض الآلاف من الريالات التي تتحول لعبء هائل لسنوات طويلة؟

مع الأسف لا يبدو وجود طريقة للحصول على السكن من دون طرق باب الاقتراض، لكن علينا أن نفكر في كيفية التخفيف من عبء الاقتراض، إذ ينبغي العمل على حزمة من الحلول والعمل على عدة مسارات، مثل توسيع الاقتصاد وتحويله إلى اقتصاد قائم على المعرفة، وزيادة المهارات عند الشباب والذي من شأنه أن يوفر وظائف ذات قيمة مضافة ورواتب أعلى يستطيع من خلالها الشباب دفع أقساط القروض. إلى جانب ضرورة تشجيع المجتمع على تقليل الاستهلاك ورفع مستوى الادخارات الوطنية، وهو ما سوف يساهم في تخفيف المشكلة أيضا. وأضيف كذلك أن تنامي الادخارات الوطنية سوف يزيد من حجم الإيداعات لدى البنوك بما يساعد على توفير مبالغ القروض بشروط أفضل من الجهات التمويلية المختلفة مثل البنوك والمؤسسات التمويلية الأخرى؛ ومنها الجمعيات الخاصة للتمويل السكني بشكل أكبر، علاوة على إيجاد ودائع طويلة الأمد لدى البنوك، وكذلك إجراء تغييرات في سياسات الإقراض لتسمح للبنوك بتقديم قروض طويلة المدى، وحث البنك المركزي على إيجاد أوعية إقراضية مختلفة. ونقترح أيضا تقوية بنك الإسكان العماني، من خلال زيادة رأسماله وقدرته على جذب ودائع، وهو ما قد يمثل خطوة اخرى لتخفيف عبء القروض على الشباب، إلى جانب التفكير في إنشاء صناديق التنمية العقارية ودعمها بما يساعد على زيادة مبلغ القرض وتقصير مدة الانتظار.

لكن أيضا على الجهات المختصة إعادة التفكير والنظر في الأنظمة القائمة التي تفرض شروطا على البناء من ناحية استعمالات كميات الأسمنت والحديد وغيرها، والتي تساهم في ارتفاع تكلفة البناء بنسب كبيرة، كما عليها النظر في التقنيات الحديثة في البناء والتشييد التي تقدم من خلال آلات ومعدات تحل محل العمالة، ويعتقد أنها توفر نحو 30% من التكلفة النهائية، كما إنها تساعد على إنجاز البناء بسرعة تعادل 3 أضعاف الطرق التقليدية، حسب الدراسات والآراء المنشورة في هذا السياق.

ومن خلال التقنية الحديثة يمكن الاستغناء عن أكبر عدد من العمالة باستعمال المكننة والتي سوف تساهم في تخفيض تكلفة البناء، وبهذه الطريقة سوف نتمكن أيضا من تقليل أعداد العمالة الوافدة. ويكفي أن نعلم أن المصانع الحديثة تعمل الآن على صناعة أدوات البناء الجاهزة التي ليست بحاجة لأيد عاملة، بل فقط لإشراف من قبل فنيين، وهو ما سيقلل من تكلفة البناء، كما سيحقق للشاب والشابة فرصة عمل مرموقة في هذا القطاع.

دولة الرفاه

 # هل يمكن القول إن مفهوم “دولة الرفاه” انتهى مع وصول سعر برميل النفط لمستوى العشرينات من الدولارات؟ وهل البديل دولة الجبايات والضرائب؟

أتذكر أن أول مسؤول خليجي أشار إلى انتهاء “دولة الرفاه” كان رئيس مجلس الوزراء الكويتي الشيخ جابر المبارك، وقبل أن تنخفض أسعار النفط في عام 2014، قال في نهاية عام 2013: “دولة الرفاه التي تعود عليها المواطنون الكويتيون لن تستمر”، كما أشار وزير التخطيط الكويتي إلى “رغبة حكومية في فرض عائدات ضريبية وزيادة الرسوم”.

وعلينا جميعا أن نعي هذه الحقيقة ونبدأ بإصلاحات جوهرية وهيكلية في بنية الاقتصاد، إذ كلما تأخرت الاصلاحات تكون الفاتورة أعلى والألم أشد. ونهاية دولة الرفاه ينطبق على كافة الدول التي اعتمدت على النفط كمصدر وحيد للدخل.

ولذلك أرى أنه على دول الخليج كلها أن تتحول من شعوب اتكالية إلى شعوب منتجة، وعليها أن تبدأ بالتخطيط العلمي بدلا من العشوائي، وبدء تنفيذ إجراءات تحفظ استمرارها، وأبرزها خفض الإنفاق الحكومي، وإعادة تسعير الخدمات، وإعادة النظر في برامج الدعم المباشر، وتهيئة بيئة الاستثمار، وتطوير التعليم والتدريب، ودعم القطاع الخاص، وإطلاق المبادرات الجريئة، والتفكير خارج الصندوق وترشيق الجسد الحكومي المترهل، وإجراء اصلاحات شاملة في نظام الخدمة المدنية وتشجيع الابتكار وغيرها من الإجراءات التي نحتاح إليها بصورة ملحة.

كما إن هناك حاجة ضرورية للمشاركة الفعالة من كل القطاعات الحكومية والخاصة، وضرورة إعادة النظر في دور الدولة من أجل إيجاد معالجة تدريجية للاختلالات في المالية العامة والناتج المحلي وسوق العمل والأنظمة والقوانين؛ حيث إن الإصلاح من خلال الانتقال من دولة الرفاه إلى نموذج جديد يتطلب تقديم تضحيات من قبل الحكومة والقطاع الخاص وكافة المواطنين، وذلك من خلال نظرة متوازنة لكيفية انتشال أوضاعنا الاقتصادية والتنازل عن بعض مكاسبنا السابقة.

ربيع الأمم

# هل ترى أن المنطقة العربية مهيئة لنسخة ثانية مما يسمى بـ”الربيع العربي”؟ وبشكل عام هل تتوقع أن يأتي “ربيع الأمم” بمعناه الحقيقي؟

الاضطرابات الاجتماعية مثل الزلازل يمكن التنبؤ بها، لكن من الصعب الجزم بتحديد أوقات حدوثها. وكثير من الانفجارات الاجتماعية، كاندلاع الثورتين الفرنسية والروسية- على سبيل المثال- سبقها تراكم متواصل للضغوط، شبيهة بالتوترات المتزايدة على أطراف الصفائح التكتونية قبل حدوث الزلازل، يستطيع العلماء أن يقدموا تنبؤا معقولا مفاده أن انفجارا سوف يحدث ذات يوم نظرا للتراكم العام للضغوط. وقياسا على ذلك، من غير المعقول أن نقول إنه كلما زادت الضغوط في إطار المجتمعات الإنسانية، من نوع النمو السكاني المتسارع وتناقص الموارد والبطالة والهجرة إلى مدن تعج بالأكواخ ونقص التعليم الجيد، كلما كان هناك احتمال نشوب انفجارات اجتماعية. لقد كانت هناك أقلام وأصوات تحذر من أن المنطقة مقبلة على العنف والانفجارات، والتقارير الدولية أيضا كانت تحذر وترى أن المنطقة على فوهة مدفع، والبنك الدولي في تسعينيات القرن الماضي كتب تقريرا عن المنطقة جاء فيه: “إن اوضاع المنطقة العربية في القرن المقبل هشة بسبب الفارق الكبير بين احتمالات التقدم والتأخر. خط رفيع تماما بين احتمالات تقدم الاقتصاد ورفاه العاملين”. كما جاء في التقرير “إن المنطقة على حافة سكين ما بين نتيجتين غير مرغوبتين على حد سواء، هما الوضع القائم والإصلاحات الخرقاء، وكلاهما يؤدي إلى عدم استقرار اجتماعي وتهميش عالمي”.

ثم حصل ما حصل منذ عام 2011، والآن هناك أيضا أصوات تحذر من حصول موجة أخرى من الانفجارات أكثر شدة من الانفجارات السابقة.

وحقيقة الأمر أن مشاكل معظم دول المنطقة تتفاقم، فالإصلاحات الحقيقية مؤجلة على الأقل، وكلما تتأجل تزداد تكلفتها، والحكومات غير قادرة على التوظيف، والقطاع الخاص ضعيف وغير منتج وغير قادر على استيعاب الطلب المتجدد على الوظائف وتزايد التوقعات لدى الباحثين عن عمل.

ولقد كان هناك افتراض بأن القطاع الخاص سيلبي التطلعات تجاهه بأن يوفر وظائف جيدة مع عدم قدرة الدولة على توفيرها، لكن ببساطة هذا لم يحدث، نتيجة لأسباب متعددة، كما إن التوقعات الخاصة بنمو الاستثمار الأجنبي لم تتحقق، بينما لجأ أصحاب رؤوس الأموال داخل الوطن إلى ضخها في الملاذات الآمنة، مثل القطاع العقاري. لكننا على أية حال نأمل أن ينتبه الجميع لتجنب الأسوأ.

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock